اسماعيل بن محمد القونوي

198

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لم يصدر بذكر اللّه وحده إلا للدلالة على أن اللّه تعالى يكفي مؤنة عباده المؤمنين وينتقم لهم ولا يحوجهم إلى معارضة المنافقين تعظيما لشأنهم هكذا قرره قدس سره فيفهم ذلك بلا ملاحظة حصر قلنا إن أريد بذكر اللّه وحده ذكره تعالى مع الحصر فهو مسلم ومفيد لنا وإن أريد ذكره وحده دون ذكر غيره فنمنع الدلالة المذكورة والمسند ظاهر إذ مجرد ذكر الشيء بدون اعتبار الحصر لا ينفي ما عداه كما هو المقرر عندهم بل لا يبعد أن يقال إنه قدس سره أشار بقوله ولا يحوج المؤمنين إلى الحصر لكونه بصدد توضيح كلام الكشاف والقول بأن تخصيص الاستهزاء باللّه تعالى ونفيه من المؤمنين يقتضي ظاهرا اتحاد معنى الاستهزاء وليس كذلك بل استهزاء اللّه تعالى إنزال الهوان واستهزاء المؤمنين مجرد السخرية ومن اختار الحصر احتاج إلى التكلف في التوجيه ضعيف أما أولا فلأنه لا نسلم اتحاد معنى الاستهزاء على تقدير التخصيص إذ قصر الفعل عليه تعالى خلقا ونفيه عن غيره تعالى كسبا شائع ذائع وأيضا قصر الصفة بمعنى كالقدرة مثلا عليه تعالى ونفيها عن غيره تعالى بالمعنى الآخر مشتهر ولا ريب في تفاوت الصفتين فالتخصيص لا يقتضي الاتحاد من كل وجه ولأرباب الحواشي نزاع في أن القصر هنا مطلوب والظاهر أن كلام المصنف بناء على اعتبار الحصر مثل قول صاحب الكشاف ورأيه . قوله : ( وإن استهزاءهم لا يؤبه به ) هذا الوجه لبيان أن هذا الاستئناف لم يصدر إلا بذكره تعالى على أن استهزاءه بالمنافقين هو الاستهزاء الكامل الذي لا اعتداد معه باستهزائهم لصدوره عمن تضمحل قدرتهم وعلمهم في جنب علمه وقدرته تعالى وهذا معنى قوله لا يؤبه بضم الياء التحية وهمزة ساكنة يجوز أن تبدل واوا أو باء موحدة مفتوحة وهاء أي لا يعتد به لحقارته واضمحلاله وتعديته بالباء لكونه بمعنى الاعتناء وإنما قال ( في مقابلة ما يفعل اللّه بهم ) ليعم الوجوه المذكورة في توجيه يَسْتَهْزِئُ [ البقرة : 15 ] وأنت خبير بأن ما ذكره في بيان وجه الاستئناف وترك العطف يتم أيضا على تقدير العطف إذ مداره أن يصدر الاستئناف بذكره تعالى وأجاب بعضهم بأن الاستئناف يدل على أن استهزاء اللّه تعالى بمكان بعيد عن استهزائهم بحيث لا مناسبة بينهما حتى يعطف أحدهما على الآخر وهذا عجيب إذ العطف لو اقتضى ذلك لما حسن العطف في قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] إذ لا مناسبة بين عزة اللّه تعالى وعزة الرسول وعزة المؤمنين فعزة الرسول عليه السّلام والمؤمنين أيضا كذلك لأن العزة للّه جميعا وقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 64 ] وشتان ما بين كفاية اللّه تعالى وكفاية المؤمنين ونظائره لا تحصى بعد العادين وبالجملة ما ذكره الشيخان في وجه اختيار الاستئناف وعدم العطف من النكتتين لم يظهر لنا وجهه بل النكتة الثانية قوله : لا يؤبه له قال صاحب النهاية في الحديث لا يؤبه له أي لا يحتفل ولا يبالي به قال عليه الصلاة والسّلام ربّ ذي طمرين لا يؤبه له لو اقسم على اللّه لأبره .